
لماذا نعيش في الدنيا؟
بقلم..مروة فؤاد
في معنى الوجود: حياةٌ بين الابتلاء والاختيار
يُطرحُ سؤالُ الوجودِ على الإنسانِ منذ اللحظةِ التي يدركُ فيها ذاتَه، ويتكررُ كصدىً روحيٍّ عبرَ الحضاراتِ والعصور: لماذا أنا هنا؟ وما غايةُ وجودي في هذه الدنيا؟ ليس السؤالُ مجردَ استفسارٍ عابرٍ أو هاجسٍ وقتي، بل هو سؤالٌ جوهريٌّ يلامسُ أعماقَ الوعي، ويكشفُ عن حاجةٍ إنسانيةٍ أصيلةٍ للمعنى. فالحياةُ ليست مصادفةً بيولوجيةً عمياء، ولا تسلسلاً عشوائياً للأحداث، بل هي مسرحٌ أخلاقيٌّ وروحيٌّ تُختبرُ فيه الإرادةُ، وتُصاغُ فيه الهويةُ، وتُكشفُ فيه الحقائقُ الكامنةُ في طبيعةِ البشر.
إذا تأملنا في نسيجِ التجربةِ الإنسانية، نجدُ أن كلَّ فرحٍ وحزنٍ، كلَّ لقاءٍ وفراقٍ، كلَّ نجاحٍ وإخفاقٍ، يحملُ في طياتِهِ بُعداً اختبارياً. الدنيا ليست دارَ خلودٍ ولا جنةً مُعدَّةً للراحةِ الأبدية، بل هي فضاءٌ زمنيٌّ محدودٌ وُضعَ فيه الإنسانُ ليُمتحَنَ في قدرتهِ على التمييزِ، والاختيارِ، والصمودِ أمامَ مغرياتِ الغريزةِ وخيباتِ الواقع. وهذا الابتلاءُ ليس عقاباً مُسبقاً، بل هو فرصةٌ للتكوينِ الأخلاقيِّ، وصقلِ الروحِ، وإثباتِ الجدارةِ بالوجودِ نفسِهِ.
في قلبِ هذا الوجودِ، يقفُ الإنسانُ أمامَ مفترقِ طرقٍ دائمٍ: بين أن يكونَ من أحسنِ الناسِ خُلقاً، أو أسوئِهِم سلوكاً. لا يُقدَّرُ الإنسانُ بعمرِهِ أو ثروتِهِ أو مكانتِهِ، بل بموقفِهِ الأخلاقيِّ من لحظاتِ الحياةِ العابرة. فالخيرُ والشرُّ ليسا قوىً خارجيةً تُفرضُ علينا، بل هما نبتتانِ تنموانِ من بذورِ الاختيارِ اليوميِّ: كلمةٌ تُقالُ أو تُكتَم، عدلٌ يُقامُ أو ظُلمٌ يُرتكَب، صبرٌ يُحتسَبُ أو يأسٌ يُستسلَمُ لهُ. وهنا تكمنُ الحكمةُ الفلسفيةُ العميقة: أن الدنيا مسرحٌ لصراعٍ أخلاقيٍّ حقيقيٍّ، يهدفُ إلى فرزِ النفوسِ، وكشفِ حقائقِها، وتمييزِ من اختارَ السموَّ عمن استهانَ بالقيمِ وانحرفَ عن الفطرةِ السليمة.
إن وصفَ الدنيا بأنها “دارُ ابتلاء” ليس تشاؤماً، بل هو وعيٌ واقعيٌّ بطبيعةِ الوجودِ الإنسانيِّ ومسؤوليتِهِ. فالابتلاءُ لا يعني المعاناةَ عبثاً، بل هو مرآةٌ تعكسُ مدى التزامِ الإنسانِ بالمعنى والقيمةِ والعدل. ومن اختارَ طريقَ الانحرافِ، أو أغرقَ نفسَهُ في الأنانيةِ والجحودِ، أو تنكَّرَ للفضيلةِ، فإنَّهُ يُهيِّئُ مصيرَهُ بيدِهِ. والفلسفةُ هنا تُؤكِّدُ أن العاقبةَ لا تُفاجئُ الإنسانَ، بل هي تتويجٌ طبيعيٌّ لمسارٍ أخلاقيٍّ اختارَهُ طواعيةً. ومن أخطأ، وأصرَّ على الخطأ، واستخفَّ بحدودِ الخيرِ والشرِّ، فإنَّ جزاءَهُ يكونُ في النهايةِ تعبيراً عن عدالةِ الكونِ الأخلاقيةِ، حيثُ لا يضيعُ عملٌ، ولا يُهملُ اختيارٌ.
أما الموتُ، فليس عدواً ولا انقطاعاً، بل هو الفاصلُ الحتميُّ الذي يُغلقُ بابَ الاختبارِ، ويُعلنُ عن اكتمالِ الدورةِ الأرضية. إنه النهايةُ المحتومةُ لكلِّ كائنٍ على وجهِ الأرضِ، والبوابةُ التي تُعيدُ كلَّ إنسانٍ إلى أصلِهِ، ليقفَ أمامَ حقيقةٍ واحدةٍ لا مفرَّ منها: أن الدنيا كانت محطةً، وليس مقصداً؛ وكانت اختباراً، وليس غايةً. وفي هذه اللحظةِ الفاصلةِ، يتجلى المعنىُ الكاملُ للوجودِ: نحن هنا لنعيشَ، لنختارَ، لنُبتلى، ولنُكشفَ عن حقيقتِنا. ومن اختارَ أن يكونَ من أحسنِ الناسِ خُلقاً، فقد أدَّى أمانةَ الوجودِ، ومن أساءَ وظلمَ، فقد كتبَ بيدِهِ عاقبتَه. فالموتُ يُنهي دورَ الابتلاءِ، وتبدأُ بعدهُ مرحلةُ الجزاءِ والحسابِ على ما قدَّمتِ الأيديُ، وما اختارتْهُ القلوبُ.
بهذا تتكاملُ الدائرةُ الفلسفيةُ الوجودية: الإنسانُ لم يأتِ إلى الدنيا ليدومَ، بل ليُمتحَن؛ وليسعى للبقاءِ الجسديِّ، بل ليصقلَ روحَهُ بأخلاقِهِ. والصراعُ في هذه الحياةِ هو صراعُ اختيارٍ حقيقيٍّ بين النورِ والظلامِ، بينَ الإحسانِ والإساءةِ، ليُفرَزَ الناسُ بما اكتسبتْ أيديهمْ، وتُكشفَ عواقبُ ما اختاروا. والدنيا دارُ ابتلاءٍ بامتيازٍ، والموتُ نهايةُ كلِّ إنسانٍ على الأرضِ، وهو الفاصلُ الذي يُنهي اللعبةَ الأرضيةَ، ويبدأُ بهِ الحسابُ على ما زرعتْهُ الأرواحُ في تربةِ الوجودِ.





